ابن الجوزي

236

زاد المسير في علم التفسير

الإشارة إلى كيفية مكرهم قال أهل التفسير : لما بويع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة ، أشفقت قريش أن يعلو أمره ، وقالوا : والله لكأنكم به ، عليكم بالرجال ، فاجتمع * جماعة من أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا في أمره ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ كبير ، فقالوا : من أنت ؟ قال : أنا شيخ من أهل نجد ، سمعت ما اجتمعتم له ، فأردت أن أحضركم ، ولن تعدموا من رأيي نصحا ، فقالوا : ادخل ، فدخل معهم ، فقالوا : انظروا في أمر هذا الرجل ، فقال بعضهم : احبسوه في وثاق ، وتربصوا به ريب المنون . فقال إبليس : ما هذا برأي ، يوشك أن يثب أصحابه فيأخذوه من أيديكم . فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم . فقال : ما هذا برأي ، يوشك أن يجمع عليكم ثم يسير إليكم . فقال أبو جهل : نأخذ من كل قبيلة غلاما ، ثم نعطي كل غلام سيفا فيضربوه به ضربة رجل واحد ، فيفرق دمه في القبائل ، فما أظن هذا الحي من قريش يقوى على حرب قريش كلها ، فيقبلون العقل ونستريح . فقال إبليس : هذا والله الرأي . فتفرقوا عن ذلك . وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه ، وأخبره بمكر القوم ، فلم يبت في مضجعه تلك الليلة ، وأمر عليا فبات في مكانه ، وبات المشركون يحرسونه ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أذن له الله في الخروج إلى المدينة ، وجاء المشركون لما أصبحوا ، فرأوا عليا ، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره حتى بلغوا الجبل ، فمروا بالغار ، فرأوا نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت . فأما قوله [ تعالى ] : ( ليثبتوك ) فقال ابن قتيبة : معناه : ليحبسوك . يقال : فلان مثبت وجعا : إذا لم يقدر على الحركة . وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : ليثبتوك في الوثاق ، قاله ابن عباس ، والحسن في آخرين . والثاني : ليثبتوك في الحبس ، قاله عطاء ، والسدي في آخرين . وكان القوم أرادوا أن يحبسوه في بيت ويشدوا عليه بابه ويلقوا إليه الطعام والشراب ، وقد سبق بيان المكر في ( آل عمران ) . وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ( 31 ) قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا ) ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة ، وأنه لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر قصص القرون الماضية ، قال : لو شئت لقلت مثل هذا . وفي قوله تعالى : ( قد سمعنا ) قولان :